ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق

133

تسهيل المنافع في الطب والحكمة

وقال المارديني في الرسالة : العوارض النفسانية الرديئة كالغضب والغيظ والهم والفزع والسهو والحسد ، فإن هذه كلها تغير الأبدان ، وتخرجها عن الحالة الطبيعية ، وخاصة لمن كان مزاجه حارا ، فإن هذه تحدث منها حميات دقيقة ، وأمراض رديئة ، بل يهيئ نفسه بالسرور والانبساط فإنها تقوي الحرارة الغريزية وتنشرها في سائر الجسد ، انتهى . قال في اللفظ : ومن العوارض : الفكر ، وأعظم أسبابه : الفراغ ، فإنه يولد الفكر والسدى ( يعني الفراغ ) ، فإن المتفرغ يفكر ويكون فكره على قدر همته ، فإذا كان عالي الهمة فيفكر في الأشياء الغامضة البعيدة ، ونيل المرادات المتناهية ، فإن لم يقدر على بلوغها تجدد له الهم والغم ، فينبغي للإنسان أن يصرف نفسه عن الفكر فيما لا يقدر عليه ، ويتشاغل بالأشغال الشاغلة كالصيد وما يلهي ، وقد يصب الطحال إلى فم المعدة فضلة سوداوية تورث الكآبة ، والكآبة سوء الحال ، والانكسار من الحزن كما قاله في فقه اللغة ، واللّه أعلم . قال جالينوس : ينبغي للعلماء أن يتركوا الفكر وقتا تاما ، لئلا ينهكون أبدانهم وأموالهم ، فعن علي رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( من كثر همه سقم بدنه ) . وأما الغم إذا أفرط في أصحاب الأمزجة الباردة برد البدن وأطفأ الحرارة الغريزية ، والغم يضعف النفس ويهدم الجسد ويطفئ الحرارة الغريزية ، وهو مضر بجميع الأبدان الباردة اليابسة ، والهم والغم يفسدان الأخلاط ، وإذا أفرطا في الأمزاج الباردة أحدثا الموت ، وأطفأ الحال الغريزي . قال بقراط : للقلب آفتان : الهم والغم ، والهم يعرض منه السهر ، والغم يعرض منه النوم ، وذلك أن الهم يشبه الخوف مما يكون ، والغم لا فكر فيه لأنه انقضى ، وروى الشيخ بإسناده عن سالم بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه رضي اللّه عنهم قال : كان سبب موت أبي بكر موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ما زال جسمه يجري إلى نقص حتى مات رضي اللّه عنه .